باودينغ وتشويانغ.. المباني الخضراء و المنحوتات
بقلم أمينة ازناكي

أتاحت لنا الزيارة إلى مدينتي باودينغ وتشويانغ في مقاطعة خبي الصينية فرصة ثمينة للاطلاع على تجربة تنموية متكاملة تجمع بين التراث العريق والتكنولوجيا الحديثة، وبين الصناعات التقليدية والاقتصاد الأخضر، في نموذج يعكس قدرة الصين على توظيف تاريخها وخبراتها في خدمة التنمية والتقدم.

شملت الزيارة عدداً من المؤسسات والشركات العاملة في مجالات الطاقة المتجددة، وصناعة الحقائب والأمتعة، والنحت والرخام، والخزف، وتكنولوجيا المباني الخضراء. وقد لفت انتباهي التنوع الاقتصادي الذي تتميز به المنطقة، حيث تتجاور الصناعات الثقافية والحرفية مع الصناعات التكنولوجية المتقدمة في منظومة تنموية متكاملة.
ومن أبرز المحطات التي تركت في نفسي أثراً عميقاً زيارة مصنع الرخام والنحت بمدينة تشويانغ. فما إن يدخل الزائر إلى هذا الصرح حتى يشعر وكأن الزمن يعود به إلى عصور الحضارات القديمة. فالتماثيل والمنحوتات المنتشرة في أرجائه لا تبدو مجرد منتجات صناعية، بل تحف فنية تروي قصة الحضارة الإنسانية عبر مختلف مراحلها. فقد شاهدنا أعمالاً تجسد فلاسفة وحكماء وأطباء وعلماء وشخصيات تاريخية من حضارات متعددة، من بينها الحضارة الإسلامية التي كان من رموزها العالم والطبيب الشهير ابن سينا. وقد أظهرت هذه الأعمال الفنية مستوى رفيعاً من الإبداع والدقة، وعكست قدرة الفن على حفظ الذاكرة الإنسانية وتجسيد الإرث الحضاري للشعوب.

كما زرنا إحدى الشركات المتخصصة في صناعة الخزف، حيث اطلعنا على مراحل الإنتاج المختلفة، وأتيحت لنا فرصة خوض تجربة عملية بأنفسنا. وقد قمت بنحت بعض الزخارف وتوقيع اسمي على كوب خزفي قبل أن يجف ويخضع للمراحل اللاحقة من التصنيع. وكانت تجربة ممتعة ومميزة، خاصة أنها تمت باستخدام أدوات بسيطة جداً، تمثلت في مبرد حاد، وقلم للنقش، وفرشاة صغيرة. وقد جعلتني هذه التجربة أُدرك حجم المهارة والصبر اللذين يتطلبهما هذا الفن العريق، وكيف يمكن لأدوات بسيطة بين أيدي حرفيين مهرة أن تنتج أعمالاً فنية غاية في الجمال والإتقان.
وفي مجال التكنولوجيا الخضراء، زرنا شركة متخصصة في الأبواب والنوافذ الموفرة للطاقة، حيث اطلعنا على متحف يوثق تطور هذه الصناعة في الصين عبر السنين. وقد كان من المثير للاهتمام مشاهدة المراحل المختلفة التي مرت بها الأبواب والنوافذ، بدءاً من النماذج التقليدية البسيطة وصولاً إلى المنتجات الحديثة المتطورة. وأظهرت المعروضات كيف تطورت هذه الصناعة لتوفر خصائص متقدمة مثل العزل الحراري والصوتي، ومقاومة الحريق، وتعزيز عوامل السلامة والأمان، وصولاً إلى نماذج عالية المتانة يصعب كسرها. كما علمنا أن العمر الافتراضي لبعض هذه المنتجات يصل إلى خمسة وعشرين عاماً، وهو ما يعكس مستوى الجودة والتطور التقني الذي وصلت إليه هذه الصناعة.
كما تعرفنا على تجربة المنطقة في مجال الطاقة المتجددة من خلال زيارة شركة رائدة في مجال الطاقة الشمسية، حيث اطلعنا على تقنية PVT التي تسمح بإنتاج الكهرباء والطاقة الحرارية من أشعة الشمس في الوقت نفسه، بما يرفع من كفاءة استغلال الطاقة. وتعد الشركة من أوائل الشركات الصينية العاملة في إنتاج الطاقة الشمسية اعتماداً على السليكون البلوري، وهو ما يعكس الاهتمام الصيني المبكر بهذا القطاع الحيوي.
وشملت الزيارة كذلك مدينة بايغو، التي اشتهرت بصناعة الحقائب والأمتعة وحصلت سنة 2004 على لقب “مدينة الحقائب الصينية”. وقد تحولت هذه المدينة إلى مركز صناعي وتجاري مهم يساهم في دعم الاقتصاد المحلي ويوفر منتجات تصل إلى أسواق متعددة داخل الصين وخارجها.

لقد خرجت من هذه الزيارة بانطباع مفاده أن النجاح التنموي الحقيقي لا يقوم على الصناعة وحدها، ولا على التكنولوجيا وحدها، بل على القدرة على بناء جسور بين الماضي والمستقبل. ففي باودينغ وتشويانغ رأيت كيف يمكن للحضارة أن تتحول إلى مصدر للإبداع، وكيف يمكن للتراث أن يصبح جزءاً من الاقتصاد الحديث، وكيف يمكن للابتكار أن يسير جنباً إلى جنب مع المحافظة على الهوية الثقافية. كما لمست حرص الجانب الصيني على توطيد علاقاته مع الدول العربية وتعزيز جسور التواصل والتعاون معها، وهو ما أضفى على هذه الزيارة بعداً إنسانياً وثقافياً وسياسياً إلى جانب بعدها الاقتصادي والتنموي. وقد كانت بحق تجربة ثرية ومفيدة ستظل حاضرة في الذاكرة.
وفي ختام زيارتنا لهذه المقاطعة، حظينا بلقاء مميز خلال مأدبة غداء أقيمت على شرف الوفد، حيث تشرفنا بحضور مسؤول صيني رفيع المستوى من الحزب الشيوعي الصيني، يشغل رتبة وزير ومكلف بملف التنمية في المقاطعة. وقد رحب بنا ترحيباً حاراً، معبراً عن تقديره لزيارتنا واهتمامنا بالتعرف على تجربة خبي التنموية.
كما أشاد بالعلاقات الصينية العربية، مؤكداً عمق الروابط التاريخية التي تجمع الجانبين، وأهمية تعزيز التعاون والتبادل في مختلف المجالات بما يخدم المصالح المشتركة للشعوب. وقد ساد اللقاء جو من الود والصداقة، وتُوج برفع نخب الصداقة الصينية العربية، في مشهد عكس روح الاحترام المتبادل والعلاقات العريقة الضاربة جذورها في التاريخ، والتي ما تزال تتطور وتتعزز يوماً بعد يوم.



