“عزيزتي” … قصة صينية بأبعاد عالمية
بقلم: تشن تسه رن، إعلامي صيني

“عزيزتي” … قصة صينية بأبعاد عالمي
بقلم: تشن تسه رن، إعلامي صيني
حتى أواخر يونيو من هذا العام، تجاوزت إيرادات شباك التذاكر في الصين 17 مليار يوان، وفي طليعة هذه الإيرادات برز الفيلم الصيني “عزيزتي” المنخفض التكلفة بلهجة تشاوشان، بعدما حقق 1.9 مليار يوان، ليعدّ أكبر مفاجأة في العام.
تم تصوير الفيلم في مواقع حقيقية بمدن شانتو وتشاوتشو وجيهيانغ بمقاطعة قوانغدونغ، فاغتنمت دوائر السياحة والثقافة في قوانغدونغ الفرصة وأطلقت مسارات سياحية غامرة تجمع بين استكشاف جذور ثقافة “تشياو بي”، وزيارة مواقع التصوير، وتجربة التراث الثقافي غير المادي، محولةً جمال الصورة السينمائية إلى رحلة شعرية يعيشها الزائر على أرض الواقع.

ولا تقتصر قيمة الفيلم على ذلك فحسب، بل تمتد إلى إعادة إحياء ذكرى ” تشياو بي” في أذهان الجمهور. وكلمة “بي” تعني الرسالة، ويقصد بـ”تشياو بي” الرسائل وإيصالات الحوالات المالية التي كان المغتربون الصينيون يرسلونها إلى ذويهم في الوطن، وهي وثائق تجمع بين الرسالة والحوالة المالية في آن واحد.
ولا تسجل هذه الرسائل تفاصيل الحياة اليومية للعائلات فقط، بل تحفظ أيضاً صفحات من تاريخ الأمة. فخلال حرب المقاومة الصينية ضد العدوان الياباني، أخفى كثير من المغتربين الصينيين مدخراتهم على هيئة سبائك ذهب داخل الرسائل، وأنشأوا قنوات سرية لإيصال الأموال اللازمة لشراء الطائرات والأدوية إلى الجبهات الأمامية. وتشير الإحصاءات إلى أن قيمة الأموال التي حوّلها المغتربون الصينيون إلى الوطن عبر “تشياو بي” بين عامي 1864 و1980 بلغت نحو 10.8 مليارات دولار أمريكي.
وكان خلف المقولة المتداولة آنذاك “رسالة واحدة… ويوانان فضيان”، معان عميقة: روح التكافل، والوفاء بالعهد، والتعلّق الذي لا ينفصم بالوطن الأم. وفي عام 2013، أدرجت أرشيفات “تشياو بي” في قائمة سجل ذاكرة العالم التابع لليونسكو، لتغدو تراثًا ذاكريًا تحميها البشرية جمعاء.
واليوم، ترسل هذه “الرسالة” إلى جميع أصقاع العالم. ففي سنغافورة، نفدت تذاكر العروض الخاصة بلهجة تشاوشان خلال ساعة ونصف فقط من فتح باب الحجز، بينما تجاوز عدد عروضه في ماليزيا 550 عرضا في يومه الأول..
ورغم أن الفيلم لم تتجاوز تكلفته 14 مليون يوان، وجميع ممثليه من الهواة غير المشاهير، ويتحدث فيه بلهجة تشاوشان طوال الفيلم، إلا أنه لاقى إشادة واسعة بفضل صدقه العاطفي وبساطته المؤثرة.
رسائل ” تشياو بي” رقيقة الصفحات، لكنها تحمل عهوداً ثابتة لا تزعزعها البحار والجبال. والقصة وإن كانت صغيرة، فإنها تعكس قيماً إنسانية مشتركة، كالوفاء للأسرة، والتمسك بالعهد، والثبات على المشاعر.
- وفي عصر العولمة، لا تمثل هذه القيم جذور الأمة الصينية وروحها فحسب، بل تقدم للعالم أيضا حكمة شرقية حول المسؤولية الأسرية والوفاء بين الناس، والثبات العاطفي. وهذا يؤكد مجددا أن القصص الصينية التي تستطيع أن تصل إلى العالم هي تلك التي تترسخ في تربة الثقافة الخصبة، وتحفل بدفء المشاعر الإنسانية؛ فهي لا تحتاج إلى بيان ضخم، إذ تكفي رسالة عائلية رقيقة لتعبر القارات والمحيطات وتلامس القلوب .



