“مناسك” زيارة المدينة المحرمة، ومعبد السماء!
الإعلامي الموريتاني احمدو اندهمر

يختلف الأمر بين أن تكون صينيا يدخل المدينة المحرمة، ومعبد السماء، وأن تكون كحالي مسلما من غرب إفريقيا تعيش التجربة بخلفيتك الدينية والثقافية، لكن دروبكما ،مع ذلك، ستتقاطع بعد كل لفَّة بين الأطلال والصروح الضخمة لتلتقيا عند نسك ” الدهشة الكبرى” و”التحلل” من الذات أمام عظمة ما أبدعه الإنسان وأودعه في هذه “الأطلال” الصامدة على مرّ العصور والقرون، وكأنها أكتمل تشييدها للتو، أو بعد لحظات قبل وصولك إليها..
هنا، سيجسُد الصيني ( الصور) لأربابه من عمالقة وعظماء البشر تحية وإجلالا، وتحدق أنت في الأفق خشوعا لرب الأرباب، وخالق الإنسان، ومُهلكه ، ورادُّه يوم الحساب.
لايقبل العقل المجرد أن تكون هذه القصور المنحوتة نحتا، والواقفة بشموخ على سواري يتجاوز قِطرها قطر صهريج شاحنة بمرات ، وبهذا العدد الهائل المباني والمساكن والمعابد التي تصل إلى أكثر من ألف معلَمة ، من صنع البشر الضعيف في عهد لم يكن للتكنولوجيا فيه ذكر أوركزُُ..لكن العين ،ورأي العين يقطع السبيل في وجه كل تشكيك، ويتركك وجها لوجه أمام الواقع ” الجبار”..
نحو 980 مبنى وأكثر من 8,000 غرفة لاتزال صامدة إلى حد اللحظة منذ خمسمائة عام،تعاقب خلالها أربعة وعشرون حكما إمبراطوريا من أبناء سلالة نخبة الملوك من أسرتي “مينغ” و”تشينغ”، كان “كل همهم” السيادة على الإنسان والمكان في تلك الحقب من التاريخ، وتخليد ذكرهم في الزمان عبر هذه التركة الضخمة من التراث الإنساني والعمراني الذي يدرُّ اليوم على الصين بمليارات الدولارات سنويا، ويحشُد لها من بني البشر ماتحشد مكة المكرمة وجبل عرفة مجتمعين وأضعافه في مواسم الحج، مع فرق واحد ، رغم تشابه كل المشتركات في الحشود، والأمواج البشرية، والتدافع عند البوابات، وإطالة الإنتظار للنّفرة إلى النسك الموالي… وهذا الفرق الوحيد ،هو أن الحج هنا للإنسان، أما في مكة فللرحمان!
في كل خطوة تخطوها بين معالم وبساتين، وبروج المدينة المحرمة ومعابدها ،لامحالة ستقرأ القرآن في ثنايا هذه الشخوص الآفلِ أهلها، والباقية إلى يومنا هذا “نعتاً” لهم و”حالا”عليهم ، ولا مبدّل لكلمات الله حين يقول الحق سبحانه ولو في أمم قبلهم : (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾..وغيرها كثير ممايدل على عظمة الله وضعف الإنسان، وتبخُّر وهْمِ الخلود والربوبية سريعا والإستقالة من هذه الحياة الدنيا طوعا وكرها، وافتضاح فِرية الخلود..
ورغم ذلك ترك لنا الصينيون في آثارهم هذه ،ومعابدهم ،حقيقة أن الإنسان على وهنه يمكن أن يبني ،ويشيّد ويخلّد ذكره إن هو “عزم” على ذلك ، ولوعجز عن تخليد بدَنه!
قصر ،هناك وقصر هناك ، ومِسبحة دور كالتوائم يكاد الوشم والزخرفة والنقش وتناسق الألوان الزاهية ،في جدرانها وحيطانها يكون بصمة موحدة لآلة حديثة وليس من صنع الإنسان..هذه هي الملامح العامة التي يطول الحديث فيها، لوصف “مدينة ميتة غابرة” في مدينة من أكبر مدن العالم ديناميكية وحركية وكثافة في النشاط كالصين… الموت والحياة جنبا لجنب، والدروس والعبر تتطاير من فوق رؤوس الزوار ، ومن شاء فاليؤمن ومن شاء فاليكفر..
وبعد كل نُسك من محطات التجول بين أطلال المدينة المحرمة ومعابدها، تتأكد أن هذه الحياة ستفنى شتى، وأن دروبها قادرة على أن تجمع لك الخاشع المتبتل في محراب الذل والتضعضع أمام “ربه” البشري، وفي الزاوية المقابلة يُعدل ” الكافر” مثلي هيئته ليلتقط صورة سياحية من ذات الرب المسجود له هناك، في مشهد من العقوق تخر له الراسيات في محيط معبد السماء ،ويتجهم فيه وجه المؤمن حقا ، لكن لامناص من هذا ،فلغة السياحة والدخل، ولغة المنافسة الدولية تعلو على كل دين أو ملّةِِ روحية يومنا هذا ،أحرى مِلةِِ وضعية!!
وبعد إتمام النُّسُك، والتُّخمة من الدروس والعبر ، وأهوال يوم القيامة، هناك في مكة المشرفة، وهنا في المدينة المحرمة يشعر الإنسان بعد ” التحلل” الأكبر بميل فطري إلى الحياة الدنيا وانجراف شديد لها، ولا حرج على المتحلل من التلبية والإحرام مجددا للدنيا ، وذلك بتخليد صورة من ” عمق التراث الصيني” و”أدب” الزينة وزخرفة العروس، ثم جولة في الأسواق العتيقة في محيط اتشانمان، والتسكع بين دكاكين ومعروضات الصناعة الصينية التقليدية، وفتح المناخر على مصراعيها لكل أنواع البخور والعطور ، وإطلاق سراح العين لكل أنواع السفور والتحلل الأكبر من المخيط ، والقماش، مع حجز القلب مصفدا ومكبلا، في مربع” لا” من كل مالايليق بكرامة الشريعة ودين الله الحق !!
وتبقى الصين مصرة على ممارسة هوايتها في الإبهار وأسرِ القلوب والعقول أمام عظمة منجزاتها تاريخيا وحاضرا ، وكأنها تخيرك بين الإثنين ،وفي نهاية المطاف تفرضهما معا عليك فرضا..
للتذكير كل أطلال المدينة المحرمة ومعبد السماء، ومعبد الكونفيشيوش مصنفة كلها في اليونيسكو كتراث للإنسانية مصون ومقدس..




